عدت إلى بيتي حاملاً أكياسًا سوداء, مملوءة بمختلف الأغراض المنزلية, مشيتي وشكلي ومشترياتي, توحي جميعها بأنني موظف مثل كل الموظفين الذين يملأون البلاد, ويتأثرون بأي تأخر مفاجئ في دفع الأجرة الشهرية.
أسكن حيًا شعبيًا, يعج بالبطالين من مختلف الأعمار والمؤهلات, ألتقي بهم كل صباح ومساء, ولفرط إحساسي بمعاناتهم, أصبحت أستحي منهم وأنا أدخل إلى بيتي بتلك الأكياس السوداء, جميعهم أناس طيبون, ولكنهم يئسوا من التهميش والعيش على حافة الحياة, قطار العمر يسير, ولكنهم مازالوا يعيشون في انتظار صافرة الانطلاق الفعلي للقطار.
كانت كل المؤشرات تدل على أن قطار حياتي سيواصل مسيره بالرتابة والروتين نفسيهما, ولكن ما إن دخلت بيتي حتى فوجئت بتوقف غير متوقع للقطار.
- ماذا حدث? لم تجتمعوا في غرفة الضيوف منذ العيد الماضي, ومالي أرى الحزن يكتنف وجوهكم?
- لقد جاء رجل أمن يبحث عنك, وترك لك هذا الاستدعاء ويقول بأنه يجب أن تذهب إليهم في أسرع وقت.
- عادي جدًا, ربما الأمر يتعلق بتحقيق إداري ما.
- ومنذ متى يوزع رجال الأمن الأزهار على بيوت المواطنين.
- يجب أن نكون موضوعيين, رجل الأمن مواطن عادي مثلنا جميعًا, لديه أسرة وأطفال, ويعيش معنا في هذا الوطن ويتأثر بغلاء المعيشة وبتقلبات الطقس.
بالرغم من التطمينات التي أودعتها في نفوس أفراد أسرتي, فإنني تناولت الغداء والتساؤلات تتصارع في ذهني, ماذا يريدون مني? لم أرتكب أي خطأ طوال حياتي, وليس لدي أي مشاكل مع أي كان, قد يكون الأمر تحقيقًا إداريًا كما أردت إيهامهم بذلك, ربما ثمة ترقية في الأفق, لم أسمع بها بعد.
دخلت مبنى الهيئة الأمنية وكلي تفاؤل, بعد دقائق وجدت نفسي في مكتب صغير يحوي أثاثًا متواضعًا, في حين كانت صورة الرئيس تتوسط الجدار, حيث أضفت على المكان نوعًا من المهابة, وأحسست بأنني تحت الرعاية السامية لفخامته.
نظر الرجل إلي مليًا, وقرأ الاستدعاء من جديد, ولم ينبس ببنت شفة ثم رفع سماعة الهاتف:
- لقد حضر برجليه, تعالوا بسرعة إنه عندي.
ما إن سمعت هذه الجملة حتى هرب التفاؤل وجاء التشاؤم الذي يحمل في طياته السقوط في الهاوية.
- هل ثمة مشكل سيدي?
نهض من مكتبه ودار حوله, واقترب مني وجلس قبالتي وتفرس في وجهي مليا, خيل لي بأنه سيقول:
- وأخيرًا قبضنا عليك, أنت الذي لم تتوقف أمام الضوء الأحمر, في وسط المدينة أمس.
وكنت بصدد تحضير الإجابة التالية:
- ليس لي سيارة أصلا.
لكن الرجل لم يقل شيئا ونهض من جديد, وبعد لحظات دخل أربعة رجال دفعة واحدة وأحاطوا بي, شكلهم يوحي بأنهم أبطال فيلم (الهروب من الجحيم).
ولكنني تمالكت ما تبقى من أعصابي وقلت:
- هل من خدمة أقدمها لكم? أظن أن ثمة خطأ في الاستدعاء.
- هل أنت صالح بن علي.
- نعم.
- من مواليد 1965 وابن عبدالقادر.
- نعم.
- تعمل في البلدية.
- نعم.
- هل أنت عضو في الشبكة?
دارت في ذهني شبكات عدة, شبكة التهريب, التزوير, الإرهاب وربما شبكة الهاتف النقال.
- عن أي شبكة تتحدثون? ربما تقصدون الشبكة الاجتماعية بالبلدية, فعلاً لقد أشرفت على تسيير هذه المصلحة سابقًا, ولكن كل الأمور كانت قانونية, وتمت بكل شفافية, ويمكنكم التأكد من ذلك مع رئيس البلدية.
- نحن نتكلم عن شبكة دعم وإسناد الإرهاب التي تنتمي إليها, لا تنكر الأمر, لدينا كل الأدلة.
- هذه تهمة كبيرة في زمن الوئام والمصالحة, أنا مواطن عادي, وكل أهل المدينة يعرفونني, ربما هناك خلل في معلوماتكم.
- ومن أنت حتى تشكك في معلوماتنا, لدينا رجال يعملون في الخفاء وفي وضح النهار.
تأملت المجموعة الصوتية التي تحيط بي, والتي كانت تعزف أسوأ مقطوعة سمعتها في حياتي, تذكرت اللقطة الشهيرة في الأفلام المصرية, والتي عادة ما يطلب فيها المتهم الاتصال بمحاميه الخاص, ولكني كنت بعيدًا كل البعد عن هذا السيناريو, فليس لدي حتى رقم هاتف بواب المحكمة, وحتى لو تسنى لي المحامي الخاص أشك بأن هذه الوجوه المرعبة, ستسمح لي بطلب حتى كوب من الماء.
غريب هذا الموقف, يقولون بأنهم يملكون شبكة معلومات قوية, ويتهمونني بالعضوية في شبكة إسناد, ويبدو أنني وقعت فعلا في شبكة الصياد, نحن في زمن العولمة والشبكات, لو قبض على المرء في شبكة أوربية, لربما كانت المعاملة أفضل, وحقوق الإنسان أكثر ضمانًا.
- هل تعرف مسعود سالم?
- الاسم ليس غريبًا عني, آه, تذكرت, لقد تعرفت عليه أثناء تأدية واجب الخدمة الوطنية, ولم أره منذ سنوات عدة, هل يبحث عنه ذووه?
- إنه إرهابي تم القبض عليه خلال الحملة الأخيرة, التي شنتها الأسلاك الأمنية المشتركة على معاقل الإرهابيين.
- وما ذنبي أنا إذا كان شخص عرفته منذ أكثر من عشر سنوات, التحق بصفوف الإرهاب, حتى العائلة الواحدة لا يمكن تجريمها إذا انحرف أحد أفرادها.
- كفاك من هذه الخطب الرنانة, وموعد الحملة الانتخابية مازال بعيدًا, بكل بساطة, لقد وجدنا رقم هاتفك الشخصي في المذكرة التي كان يحملها صديقك حين تم القبض عليه.
اقترب مني كبير المستنطقين:
- هذا الرق